ابن أبي الحديد
63
شرح نهج البلاغة
أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة * لشيخ يخاف الموت في كل شارق ( 1 ) وقد قال عبد الله قولا تعلقت * به النفس إن لم تقتطعني عوائقي ( 2 ) وخالفه فيه أخوه محمد * وإني لصلب العود عند الحقائق ( 3 ) فقال عبد الله : رحل الشيخ ( 4 ) . ودعا عمرو غلامه وردان ، وكان داهيا ماردا ، فقال : ارحل يا وردان ، ثم قال : أحطط يا وردان ثم قال : ارحل يا وردان . أحطط يا وردان . فقال له وردان : خلطت أبا عبد الله ! أما إنك إن شئت أنبأتك بما في قلبك ، قال : هات ويحك ! قال : اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : علي معه الآخرة في غير دنيا ، وفي الآخرة عوض من الدنيا ، ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة ، وليس في الدنيا عوض من الآخرة ، وأنت ( 5 ) واقف بينهما ، قال : قاتلك الله ! ما أخطأت ما في قلبي ، فما ترى يا وردان ؟ قال : أرى أن تقيم في بيتك ، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو ( 6 ) دينهم ، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك . قال : الآن لما أشهرت العرب سيري إلى معاوية ( 7 ) ! فارتحل وهو يقول : يا قاتل الله وردانا وقدحته * أبدى لعمرك ما في النفس وردان ( 8 ) لما تعرضت الدنيا عرضت لها * بحرص نفسي وفي الأطباع إدهان نفس تعف وأخرى الحرص يغلبها * والمرء يأكل تبنا وهو غرثان أما علي فدين ليس يشركه * دنيا وذاك له دنيا وسلطان
--> ( 1 ) في صفين : " أو أقعد " . ( 2 ) في صفين : " إن لم يعتقلني " . ( 3 ) الحقائق : ما يجب على المرء حمايته من عرض أو مال . ( 4 ) في صفين : " ترحل " . ( 5 ) في صفين : " فأنت " . ( 6 ) عفو دينهم ، أي فضل دينهم . ( 7 ) في الإمامة والسياسة : " الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية " . ( 8 ) في صفين : " ومزحته " .